طه عبد الرحمن
82
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
والمقام وهو لزوم هذا الأثر للنفس ، فإن المتخلّق ، بموجب تجزئته للفعل الواحد إلى أفعال متنوعة ، يجعل من الوقت الواحد أوقاتا ومن الحال الواحد أحوالا ، ومن المقام الواحد مقامات ، مع العلم أن لكل وقت خلقا ولكل حال خلقا ولكل مقام خلقا ؛ وهكذا ، فالخلق الواحد عند هذا المتخلّق المؤيّد غنيّ بنفسه غنى الأخلاق الكثيرة . 2 . 3 . مبدأ الترتيب ليس الخلق في رتبة التخلّق المؤيّد درجة واحدة لا تفاوت فيها وثابتة لا كمال لها ، وإنما هو فعل يتطرق إليه التدرج والتكميل ؛ فالفعل الواحد يتدرج في نفسه باعتبار تكثره الداخلي ، فيصير عبارة عن طبقات متفاوتة ، فضلا عن تدرجه بالإضافة إلى غيره ، ولكل طبقة من هذه الطبقات خلق يميزها عن غيرها ؛ ولنوضح ذلك بمثال الإخلاص ، فقد يخلص المرء في عمله ، فلا يبتغي من وراء غرضا ، وقد يزيد إخلاصه هذا درجة ، فلا يرى أنه أخلص في عمله على ثبوت إخلاصه فيه ، وقد يرتقي في هذا الإخلاص درجة أخرى ، فلا يبالي إن أخلص أو لم يخلص على وجود إخلاصه ، إذ يستوي عنده قبول الناس منه وردّهم ، مدحهم وذمهم ؛ فالإخلاص مرتبة والوعي بالإخلاص مرتبة فوقها ومجاوزة هذا الوعي بالإخلاص مرتبة ثالثة تعلوهما معا ؛ هذا ، بعد أن يكون المتخلّق قد تقلب في طبقات الصدق وارتقى في مدارجه ، فيصدق في نيته كما يصدق في قوله ويصدق في فعله كما يصدق في نيته ويصدق في حاله كما يصدق في فعله ؛ وهكذا ، فالفعل الخلقي الواحد عند المتخلّق المؤيّد متفاوت تفاوت الأخلاق الكثيرة . 2 . 4 . مبدأ الاتساع ليس الخلق في مرتبة التأييد موقوفا على فعل أو أفعال بعينها ، بل هو محيط بكل الأفعال ، كائنا ما كان نوعها وقدرها ، حتى إنه لا فعل إلا له في هذه المرتبة موجبات خلقية ينبغي الوفاء بها في السر أو في العلن ؛ فقد وسعت الأخلاق كل شيء وشملت كل شيء ، حتى إنه لا يوجد مفهوم ل " الشمولية الأخلاقية " بلغ من السعة ما بلغه في مرتبة التأييد ؛ وبيان ذلك أن الأخلاق لا تتناول علاقات الفرد بخالقه أو بما سواه من الأفراد في المجتمع فحسب ، بل أيضا تتناول علاقاته بالكائنات الحية ، حيوانات أو نباتات ؛ ولا تقف الأخلاق في توسعها عند هذا الحد ، بل إنها تتعداه إلى أن تشمل كل شيء ، جامدا كان أو حيا ، معنويا كان أو